الدكتورة رحاب فارس تطلق كتاب “التسويق الرمادي”: حين تُصنع الفرص في مناطق الغموض

بين أيديكم ليس مجرد كتاب، بل رحلة فكرية استقصائية إلى أحد أكثر المناطق غموضاً وتأثيراً في عالم الأعمال الحديث. إنه دليل استكشافي لقارة شاسعة تمتد على خرائط الاقتصاد العالمي، قارة لا تُرسم حدودها بالخطوط الواضحة، بل بظلال متحركة من الفرص والمخاطر، والابتكار والتحدي، والقانون والأخلاق. إنه كتاب “التسويق الرمادي”.
في زمنٍ تذوب فيه اليقينيات، وتتصادم فيه التناقضات، لم يعد بوسعنا أن ننظر إلى السوق باعتباره ساحة مقسمة إلى قسمين: أبيض مشرق من المشروعية الكاملة، وأسود قاتم من الممارسات المحظورة. لقد ولّى ذلك الزمن، وحلّ محله عالم معقد تتشابك فيه المسارات، وتتداخل فيه المصالح، وتظهر فيه مساحات واسعة من اللون الرمادي. هذه المساحات ليست مجرد مناطق غموض يجب تجنبها، بل هي – في حقيقة الأمر – مساحات حيوية تتحرك فيها عجلة الاقتصاد بطرق غير متوقعة، وتُعاد فيها صياغة قواعد المنافسة، وتولد فيها فرص جديدة لم تكن في الحسبان.
هذا الكتاب ينبثق من إدراك عميق لحقيقة مفادها أن التسويق المعاصر قد تجاوز بكثير تلك الصورة النمطية القديمة القائمة على الإعلانات المباشرة والترويج الصريح. لقد تحول إلى فضاء ديناميكي هائل، يصنعه ويتأثر به جميع أطراف المعادلة: العلامات التجارية العابرة للقارات، والموزعون والمستوردون، والوسطاء والمستشارون، والمستهلكون أنفسهم، فكل هؤلاء يلعبون دوراً في تشكيل سوق جديدة، سوق لا تقوم على المنافسة التقليدية فقط، بل على الابتكار في القنوات، والتفنن في الاستراتيجيات، واستغلال الفجوات التشريعية والجغرافية، وخلق واقع موازٍ قد يكون أكثر ديناميكية من السوق الرسمي نفسه.
إن “المنطقة الرمادية” التي نتحدث عنها ليست استثناءً هامشياً، بل هي ظاهرة مركزية في اقتصاد القرن الحادي والعشرين. إنها تلك المساحة التي تتحرك فيها المنتجات – من السلع الفاخرة إلى الإلكترونيات، من الأدوية إلى البرمجيات – خارج المسارات الرسمية المقررة من قبل الشركات المصنعة. فيها تُعاد صياغة قيمة المنتج ليس فقط بناءً على جودته الوظيفية، بل بناءً على ندرته المصطنعة، أو سمعته المتداولة، أو رمزيته الثقافية في سوق معين. وفيها يتشكل السعر بعيداً عن آليات التسعير الرسمية، متأثراً بعوامل مثل التهرب الضريبي، أو تكاليف الشحن غير الرسمي، أو المضاربة على الاختلافات الإقليمية. وفيها يتحول مكان البيع من المتاجر الفخمة إلى منصات الإنترنت الموازية، أو إلى شبكات التوزيع غير المرئية. والأهم من ذلك، فيها يُعاد تعريف معنى المنتج نفسه: فما هو سلعة عادية في سوق، قد يصبح رمزاً للوجاهة في سوق آخر، أو أداة للتمرد في سوق ثالث.
هذا الكتاب لا يكتفي بعرض ظاهرة التسويق الرمادي كمجرد وصف سطحي، بل يحللها كمنظومة متكاملة وشاملة. إنه يقودكم في رحلة فكرية عميقة تبدأ من الجذور: كيف ولدت هذه الظاهرة في فجوات العولمة والتجارة الدولية؟ وكيف تطورت من ممارسات هامشية إلى استراتيجيات مؤثرة تشكل مصائر الشركات؟ ثم ينتقل إلى القلب النابض: ما هي الاستراتيجيات الرئيسية التي يتبعها لاعبون هذا السوق الموازي؟ من التسويق الفيروسي الذي يحوّل المحتوى إلى عدوى اجتماعية، إلى التسويق الخفي الذي يتسلل إلى وعينا دون أن ندري، مروراً باستغلال قوة المؤثرين الذين يصوغون آراء الملايين، والتسويق العاطفي الذي يلعب على أوتار مشاعرنا.
ولأن المستقبل هو بيت الأسئلة الكبرى، فإن الكتاب يتجه ببصره نحو الأفق: ما هي أهم الاتجاهات المستقبلية التي ستشكل مصير التسويق الرمادي؟ كيف سيغير الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة؟ وماذا عن جيل “الزد” الذي ينظر إلى الملكية والاستهلاك بنظرة مختلفة جذرياً؟ وكيف ستؤثر عوالم الميتافيرس والواقع المعزز على هذه السوق الموازية؟ وهل يمكن أن تصبح تقنيات مثل البلوكتشين أداة للشفافية أم لأشكال جديدة من التمويه؟
ولكن الأهم من الفهم النظري، هو الاستفادة العملية. لذا، يتساءل الكتاب: كيف يمكن للشركات – الكبيرة منها والصغيرة – أن تستفيد من فهم هذه الظاهرة؟ ليس بالضرورة بأن تنخرط في الممارسات الرمادية، بل بأن تفهم بيئتها التنافسية الحقيقية، وأن تطور مناعة ضد مخاطرها، وأن تستكشف – بحذر وأخلاقية – الفرص المشروعة التي قد تظهر في مناطق الظل هذه. فالحد الفاصل بين الابتكار المشروع والممارسة المشبوهة قد يكون رفيعاً أحياناً.
إن التسويق الرمادي ليس ظاهرة معزولة، بل هو قوة تحويلية تؤثر في سلوكنا كـمستهلكين، حيث يخلق خيارات أكثر وتعقيدات أكبر، ويغري بصفقات قد تخفي مخاطر خفية. وهو يعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، حيث تتدفق السلع في قنوات موازية قد تكون أسرع وأقل تكلفة، ولكنها أيضاً أقل قابلية للتتبع والرقابة. وهو يخلق توترات في الأسواق المحلية، حيث تصطدم المنتجات الرسمية بمنتجات موازية قد تهدد استثمارات وكلاء رسميين، أو قد تقدم للفئات محدودة الدخل فرصة الوصول إلى سلع كانت بعيدة المنال.
وفي النهاية، يحاول هذا الكتاب الإجابة على السؤال الأكثر إلحاحاً: متى يتحول التسويق الرمادي من تهديد يجب مكافحته، إلى فرصة استراتيجية يمكن استغلالها؟ قد يكون الجواب في تلك اللحظة التي تتحول فيها الممارسات الحدية إلى مصادر للابتكار، أو عندما تدفع المنافسة غير التقليدية الشركات الرسمية إلى تحسين عروضها وخدماتها
